محمد جمال الدين القاسمي
49
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من بعده . ثم إنّ حقيقة الاعتكاف هو المكث في بيت اللّه تقربا إليه . وهو من الشرائع القديمة . وقال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في هديه صلّى اللّه عليه وسلّم في الاعتكاف : لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى اللّه تعالى متوقفا وعلى جمعيته على اللّه . ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على اللّه تعالى . فإن شعث القلب لا يلمّه إلّا الإقبال على اللّه تعالى . وكان فضول الطعام والشراب ، وفضول مخالطة الأنام ، وفضول الكلام ، وفضول المنام ، مما يزيده شعثا ، ويشتتّه في كلّ واد . ويقطعه عن سيره إلى اللّه تعالى ، أو يضعفه ، أو يعوقه ويوقفه - اقتضت رحمة العزيز الرحيم لعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيره إلى اللّه تعالى . وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه . ولا يضرّه ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة . وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه ، عكوف القلب على اللّه تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده سبحانه . بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محلّ هموم القلب وخطراته . فيستولي عليه بدلها ، ويصير الهمّ به كلّه ، والخطرات كلّها بذكره . والفكرة في تحصيل مراضيه وما يقرب منه . فيكون أنسه باللّه بدلا عن أنسه بالخلق . فيعدّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه . فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم . ولما كان المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان . ولم ينقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه اعتكف مفطرا قط . بل قد قالت عائشة : لا اعتكاف إلّا بصوم . ولم يذكر اللّه سبحانه الاعتكاف إلّا مع الصوم . ولا فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا مع الصوم . فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف ، أنّ الصوم شرط في الاعتكاف . وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية . وأمّا الكلام ، فإنّه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة . وأمّا فضول المنام ، فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو أفضل من السهر وأحمد عاقبة . وهو السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن ، ولا يعوق عن مصلحة العبد . ومدار أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة . وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبويّ المحمديّ . ولم ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين . ثم قال : كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللّه عزّ وجلّ . وتركه